محمد حسين الذهبي
424
التفسير والمفسرون
وإذا اختلفت القصتان فلا مسألة ، على أن قوما من المفسرين قد تعاطوا الجواب على هذا السؤال ؛ إما لظنهم أن القصة واحدة ، أو لاعتقادهم أن العصا الواحدة لا يجوز أن تنقلب في حالتين ، تارة إلى صفة الجان ، وتارة إلى صفة الثعبان . أو على سبيل الاستظهار في الحجة ، وأن الحال لو كانت واحدة على ما ظن لم يكن بين الآيتين تناقض . وهذا الوجه أحسن ما تكلف به الجواب لأجله ؛ لأن الأولين لا يكونان إلا عن غلط أو عن غفلة . وذكروا وجهين تزول بكل منهما الشبهة من تأويلها . . أحدهما : أنه تعالى إنما شبهها بالثعبان في إحدى الحالتين لعظم خلقها ، وكبر جسمها ، وهول منظرها . وشبهها في الآية الأخرى بالجان لسرعة حركتها ، ونشاطها ، وخفتها ، فاجتمع لها مع أنها في جسم الثعبان وكبر خلقه ، نشاط الجان وسرعة حركته ، وهذا أبهر في باب الإعجاز وأبلغ في خرق العادة ، ولا تناقض بين الآيتين . وليس يجب إذا شبهها بالثعبان أن يكون لها جميع صفات الثعبان ، وإذا شبهها بالجان أن يكون لها جميع صفاته ، وقد قال اللّه تعالى « وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ . . . » « 1 » ولم يرد تعالى أن الفضة قوارير على الحقيقة ؛ وإنما وصفها بذلك لأنه اجتمع لها صفاء القوارير وشفوفها ورقتها ، مع أنها من فضة ، وقد تشبه العرب الشيء بغيره في بعض وجوهه ، فيشبهون المرأة بالظبية ، وبالبقرة ، ونحن نعلم أن في الظباء والبقر من الصفات ما لا يستحسن أن يكون في النساء ، وإنما وقع التشبيه في صفة دون صفة ، ومن وجه دون وجه . والجواب الثاني ؛ أنه تعالى لم يرد بذكر ألحان في الآية الأخرى الحية ، وإنما أراد أحد الجن ، فكأنه تعالى أخبر بأن العصا صارت ثعبانا في الخلقة وعظم الجسم ، وكانت مع ذلك كأحد الجن في هول المنظر وإفزاعها لمن شاهدها ؛ ولهذا قال تعالى « فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ » . ويمكن أن يكون في الآية تأويل آخر استخرجناه ، إن لم يزد على الوجهين الأولين لم
--> ( 1 ) في الآيتين ( 15 ، 16 ) من سورة الإنسان .